الغزالي

174

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وقيظي « 1 » ، وما يسعني من الظّهر « 2 » لحجّي وعمرتي ، وقوتي بعد ذلك كقوت رجل من قريش ، ليس بأرفعهم ، ولا بأوضعهم ، فواللّه ما أدري أيحل ذلك أم لا ؟ كأنّه شكّ في أنّ هذا القدر هل هو زيادة على الكفاية التي تجب القناعة بها ؟ . وعاتب أعرابيّ أخاه على الحرص ، فقال : يا أخي ، أنت طالب ومطلوب ، يطلبك من لا تفوته ، وتطلب أنت ما قد كفيته ، وكأنّ ما غاب عنك قد كشف لك ، وما أنت فيه قد نقلت عنه ، كأنّك يا أخي لم تر حريصا محروما ، وزاهدا مرزوقا ، وفي ذلك قيل : أراك يزيدك الإثراء « 3 » حرصا * على الدنيا كأنك لا تموت فهل لك غاية إن صرت يوما * إليها قلت : حسبي قد رضيت وقال الشعبي : حكي أنّ رجلا صاد قنبرة فقالت : ما تريد أن تصنع بي ؟ قال : أذبحك وآكلك . قالت : واللّه ما أشفي من قرم « 4 » ، ولا أشبع من جوع ، ولكن أعلمك ثلاث خصال هنّ خير لك من أكلي : أمّا واحدة فأعلمك وأنا في يدك ، وأمّا الثانية فإذا صرت على الشجرة ، وأما الثالثة فإذا صرت على الجبل . قال : هات الأولى . قالت : لا تلهفنّ على ما فاتك . فخلّاها ، فلما صارت على الشجرة قال : هات الثانية . قالت : لا تصدقنّ بما لا يكون أنّه يكون ، ثم طارت على الجبل تقول : يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درّتين زنة كلّ درّة عشرون مثقالا . قال : فعضّ على شفتيه وتلهّف ، وقال هات الثالثة ، قالت : أنت قد نسيت اثنتين فكيف أخبرك بالثالثة ؟ ألم أقل لك : لا تلهفنّ على ما فاتك ، ولا تصدقنّ بما لا يكون ؟ أنا لحمي ودمي وريشي لا يكون عشرين مثقالا ، فكيف يكون في حوصلتي درّتان كلّ واحدة عشرون مثقالا ؟ ثم طارت فذهبت . وهذا مثال لفرط طمع الآدمي ، فإنّه يعميه عن درك الحقّ حتى يقدّر ما لا يكون أنّه يكون .

--> ( 1 ) قيظي : من القيظ وهو شدة الحر في الصيف . ( 2 ) الظّهر : الدواب التي تركب . ( 3 ) الاثراء : كثرة المال . ( 4 ) قرم : اشتهاء أكل اللحم .